الانتقال للخلف   منتديات زي ما بدك - أنمي مترجم > [ القسم الإداري ] > أرشيف المواضيع المُكرّرة والمُخالفة

أرشيف المواضيع المُكرّرة والمُخالفة .: للمواضيع المخالفة و المكررة :.

ثراث

جدوى الكتابة *ديمة محمود أكتب لأكون، أكتب لأتخفّف وأخفّف من القبح الذي ينزف ويستشري من حولي. أكتب لأزيل عن كاهلي أتربة مركومٍ داخليّ ربما اختمر سنيناً

 
  انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-08-2018, 10:21 PM
الصورة الرمزية missou~chan
missou~chan missou~chan غير متواجد حالياً

 







تراث



جدوى الكتابة

*ديمة محمود

أكتب لأكون، أكتب لأتخفّف وأخفّف من القبح الذي ينزف ويستشري من حولي.


أكتب لأزيل عن كاهلي أتربة مركومٍ داخليّ ربما اختمر سنيناً في عقلي الباطن وظلّ مربوطاً
يراودني ظله دون أن أملك منه فكاكاً، أكتب لأصرخ بصوتٍ عالٍ وأكنس كل شيء كل شيء، ما آلمني
وما أسعدني، أكتب لأقول حينما أفرح أو أحب بصوتٍ عالٍ وبلا قيود: “أنا أحب.. أنا فرِحة.”، أو أصرخ
وأبكي بأعلى صوت عندما أحزن ولا يحبس دموعي ويكتم صراخي أحد..


أكتب لأن ثمة مايقرع بشدةٍ وإلحاحٍ بداخلي، ثمة ما يموج ويضطرب ولا يهدأ، موج يضرب
بعضه ورعدةٌ تمسكُ بتلابيب شراييني .. لا تنفك ولا ترسو إلا بمولودٍ كتابي … ألتقط بعده أنفاسي
وأمتلىء بالراحة إلى حين النوبة المقبلة. عندما يحدث هذا أوقنُ أنني ماكنت بخير لولا هذه
الشحنة المائجة المتبوعة بالكتابة وأنني الآن وأنا أنتشي بمتعة خروج هذا المولود أمارس
طقساً مجنوناً آخر، جنون يقود لجنون يأخذاني في نشوةٍ لا تقايَض إلا بجنونٍ تال.
أضرب كفاً بكف وأقول: “يال الشعر، ياله من إله، المجد ثم المجد للكتابه والشعر، المجد
لشيطان الشعر العظيم الذي لولا محرابه لتورّمتُ وتورّمتُ ثم اختنقتُ كمداً”…


أكتب لأتماهى مع كثير مما لدى الآخر الذي لا يمكن لصوته أن يصل، علّ صوته الذي
بصوتي يزرع غيمة أوينزع شوكة.

أكتب لنقصٍ ينتابني حيناً فأكتمل، ولجوعٍ يطغى عليّ فأشبع، ولبردٍ يعتريني فأتدفّأ، ولعطش
يبلغ مني مبلغاً فأرتوي، ولغضاضةٍ تداهمني فأنضج… بل كثيراً ما يكون ذلك لفراغ يملؤني فأملؤه.

أكتب كي أعتق طفلي الكامن، ولأخلق الحب وأحرّر نفسي من نفسي..

أكتب لأركض بسرعة ولا يدركني أحد، وأدرك أدرك مالا يُدرَك إلا بالكتابة وبالشعر!

أكتب كي أكون جبلاً أو حصى أو تراب، أو ثلجاً أو شلالاً أو مستنقعاً، أو نسرأ أو بلبلاً أو
فراشة أو دودة أو كلباً أو نخلة أو جميزة أو دوار شمس أو قصب سكر أو نبتة صبار أو هندباء..

أكتب كيلا أموت أو أتعفّن..

......................


الكتابة صعبة، فأن تكتب سواء كانت الكتابة شعرا أو نثرا لهو أمر صعب. طبعا أتحدث هنا
عن الكتابة الأدبية التي تستلزم شروطا إضافية عن الشروط العادية التي يجب أن تتوفر
في أي كتابة كيفما كان نوعها من حيث إتقان القواعد والآليات اللغوية. ذلك أن هذه
الكتابة الأدبية تسعى إلى أن تتحول إلى فن، وأن تُحقق وجودها انطلاقا من ذلك
تبعا للجنس الأدبي الذي تنتمي إليه.

الكتابة بهذا المعنى صعبة لأنها تتطلب موهبة ومثابرة وثقافة عميقة متنوعة في
شتى الميادين. وهو ما دفع بالشاعر العربي القديم جرير إلى القول بأن خلع ضرس
أهون عليه من قول بيت من الشعر في بعض الأوقات حين تستعصي عليه عملية
الكتابة بمعناها الكلي الذي يعني في حالته هو كتابة البيت الشعري في نفسه
قبل النطق به. وهي تقريبا ذات الحالة النفسية التي جعلت من الشاعر الألماني
راينر ماريا ريلكه يعلن بأن كتابة بيت شعري واحد حقيقي وضروري تتطلّب من
الشاعر أن يكون قد عاش كل شيء واستوعب الحياة بأكملها.

وقل نفس الأمر عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى، فلا يمكن كتابة نص قصصي أو رواية في غياب
الموهبة والمثابرة والثقافة الغنية المتنوعة، حتى إن كان الكاتب يتحدث هنا عن ذاته، ذلك أن
مستلزمات الكتابة الأدبية تفرض عليه هذه الشروط التي أسماها الروائي والباحث السيميائي
أمبرطو إيكو في كتابه «اعترافات روائي ناشئ» بالإكراهات التي تفرض ذاتها على المبدع تبعا
للجنس الأدبي الذي يكتب فيه. هذه الإكراهات التي تفرض عليه أن يكون قادرا على التغلب
عليها حتى يكون لكتابته معنى. ذلك أن هذه الإكراهات كما يقول أمبرطو إيكو «هي أساسية
في كل عمل فني».

من هنا فإن عملية الكتابة الأدبية الجادة تتطلب مجهودا كبيرا لتحققها، وهو
ما يدفع الكاتب إلى القراءة المستمرة وإلى العيش في التجربة بمفهومها الوجودي حتّى
يستطيع القدرة على الكتابة بالشكل الذي يريد أو على الأقل الاقتراب ولو نسبيا مما يريده
ويسعى إليه في كتابته. وإذا قلنا إن الكتابة هي عملية صعبة بهذا المعنى الفني الذي
يجعلها ترتقي الدرجات الفنية بغية الوصول إلى المستوى المرغوب فيه أو القريب منه، فإن هذا
يفرض على الكاتب ممارسة مستويات من الكتابة، أي الكتابة الأولية التي قد تبدو وكأنها أتت
من تلقاء ذاتها، ثم إعادة الكتابة التي لا حد لعملية تكرارها إلا باقتناع الكاتب بما استطاع
بلوغه من تجويد العمل وتحسينه وجعله يبدو عملا جديرا بالانتماء إلى عالم الكتابة الأدبية، ومقبولا
ومستحسنا في أعين القراء على اختلاف مستوياتهم الثقافية. إن الكتابة بهذا المعنى تُصبح
عملية شاقة، تتجاوز الكتابة الهاوية لتصل إلى الكتابة المسؤولة فنيا عن سر تواجدها
داخل الوسط الثقافي الذي تنتمي إليه، ليس فقط على المستوى المحلي أو القاري
فحسب، بل العالمي أيضا، فالكتابة تجاوزت بفضل الوسائط الإعلامية الجديدة حدود هذا التواجد
المحلي لتصبح في قلب العالم. ومن ثمة فقد ازدادت هموم الكاتب ورغبته في إنجاز كتابة تليق
باسمها الأدبي والفني على حد سواء.

وما هو جميل هنا أن جل الكتاب المهوسين بالكتابة
يشعرون بذلك، أقصد طبعا الكتاب الحقيقيين، أولئك الذين يجعلون من الكتابة الأدبية هدفا في
حد ذاته وليس مجرد وسيلة للوصول إلى أهداف اجتماعية تكون مرسومة في أذهانهم ليس إلا، وإن
كان هذا لا يمنع من كون الكتابة هي في صلب المجتمع ومعبرة عنه بشكل من الأشكال.


هكذا نجد أمثال هؤلاء الكتاب موجودين عبر مختلف الأزمان والأمكنة، فقديما في رحاب الشعر
العربي كان زهير بن أبي سلمى لا يُسلّم القصيدة إلى رواته إلا بعد سنة من الكتابة وإعادة
الكتابة. هذه الإعادة التي تشمل التنقيح والحذف والإضافة والتغيير والصوغ وغير ذلك، وحديثا، على
سبيل المثال لا الحصر، نجد الشاعر العربي أدونيس قد أعاد كتابة معظم قصائده حتى بعد أن
صدرت في كتب. وهو أمر إيجابي، ذلك أن عملية الكتابة لا تنتهي مادام الكاتب حيا. وكثيرا ما بينت
لنا عملية نشر المخطوطات المتعلقة بالكتاب العالميين أنهم لم يكتبوا كتبهم دفعة واحدة وإنما استغرقت
كتابتهم لها سنين طويلة بين كتابة وإعادة كتابة. بل إن البعض منهم يطلب من الآخرين
المقربين منه الاطلاع على مسودات كتابته وإبداء الرأي فيها ولنا فيما قام به الشاعر الإنجليزي الشهير، تي. إس.

إليوت، حين سلم مخطوطة قصيدته «الأرض الخراب» لصديقه الشاعر الأمريكي عزرا پاوند نموذجا
قويا لذلك، فقد قام عزرا پاوند بإدخال بعض التعديلات على هذه القصيدة حتى بدت على الوجه
الذي عرفه بها العالم، واستحق تبعا لذلك صفة الصانع الأمهر التي أسبغها عليه تي. إس. إليوت بنفسه.



وما ينطبق على هؤلاء الكتاب الذين جئنا على ذكرهم ينطبق على باقي الكتاب الآخرين، فقد
سبق لي أن كتبت روايتي الأولى «وقت الرحيل» دفعة واحدة بمعنى بشكل مسترسل حيث
الأحداث كانت عالقة بذهني، لكن إعادة كتابتها تطلبت مني خمس سنوات ما بين تغيير في
الفصول وما بين إعادة بناء الشخصيات وما إلى ذلك. وقل نفس الأمر عن باقي كتبي الأخرى
سواء السردية منها أو الشعرية، وسواء تعلق الأمر بالمجال الإبداعي أو بالمجال العلمي النقدي، ذلك
أن الكتابة هي سيرورة/صيرورة لا تنتهي ولا يمكن للكاتب الحقيقي أن يشعر بالرضا التام عن الكتب
التي ألفها، بل يشعر بأنه هو الأكثر معرفة بأخطائها من غيره، وإن هم أثنوا عليها فإن هذا
حتى وهو يشعره بالفرح فإنه أيضا يُلزمه ضمنيا بأن يكتب أحسن منها أو على الأقل أن يكتب
في تفس مستواها. لقد استرعى انتباهي في هذا الصدد قولة عميقة للكاتب المغربي
عبد الفتاح كيليطو في كتابه «مسار» بخصوص الإطراء الذي تحظى به كتاباته
عن جدارة واستحقاق، جاء فيها: «على ما أعتقد لا أستحق هذا الإطراء إذا حدث وصدقته
فذلك يعني أني انتهيت. كل ما في الأمر أني أحتفظ، عند كتابتي، بتصور التلميذ الذي يود
تحرير موضوع إنشائي على نحو جيد، ليثني الأستاذ عليه، ويطلب منه أن يقرأه أمام زملائه».




evhe jvhe

 

 


التعديل الأخير تم بواسطة missou~chan ; 10-08-2018 الساعة 10:22 PM.

http://img.zi-m.com/uploads/1520682450381.png
 

مواقع النشر

الكلمات الدليلية
تراث

أدوات الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
من تراب الجنان ذكر على لسان العدنان تابع للمسابقة ferasfx أرشيف المواضيع المُكرّرة والمُخالفة 1 09-07-2017 05:55 PM
« من تراث النقّاد نستقي لكم مقالاتهم ”.. المقالة الرابعة » missou~chan القسم الأدبي 6 03-30-2017 10:41 PM
« من تراث النقّاد نستقي لكم مقالاتهم ”.. المقالة الثانية » missou~chan القسم الأدبي 7 10-15-2016 01:16 PM
« من تراث النقّاد نستقي لكم مقالاتهم ”.. المقالة الأولى » missou~chan القسم الأدبي 8 09-25-2016 12:44 PM
ديوكوفيتش يقهرُ نادال على تراب مدريد ابوعناد22 أرشيف المواضيع المُكرّرة والمُخالفة 0 05-08-2011 09:18 PM


الساعة الآن 01:17 PM.

أنضم لمعجبينا في الفيس بوك ...